الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
236
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
شاء اللّه غدا بالخيف خيف بني كنانة حيث تقاسموا على الكفر » . وعلى تقدير أن يكون المراد ب الَّذِينَ كَفَرُوا في هذه الآية نفس المراد من الأقوام السالفين فالإظهار في مقام الإضمار لزيادة تسجيل اتصافهم بالكفر حتى صار الخصلة التي يعرفون بها . وعلى هذا التقدير يكون المراد من الرسل ظاهر الجمع فيكون هذا التوعد سنة الأمم ويكون الإيماء إليهم به سنة اللّه مع رسله . وتأكيد توعدهم بالإخراج بلام القسم ونون التوكيد ضراوة في الشر . و ( أو ) لأحد الشيئين ، أقسموا على حصول أحد الأمرين لا محالة ، أحدهما من فعل المقسمين ، والآخر من فعل من خوطب بالقسم ، وليست هي أَوْ التي بمعنى إلى أو بمعنى إلا . والعود : الرجوع إلى شيء بعد مفارقته . ولم يكن أحد من الرسل متبعا ملّة الكفر بل كانوا منعزلين عن المشركين دون تغيير عليهم ، فكان المشركون يحسبونهم موافقين لهم ، وكان الرسل يتجنبون مجتمعاتهم بدون أن يشعروا بمجانبتهم ، فلما جاءوهم بالحق ظنّوهم قد انتقلوا من موافقتهم إلى مخالفتهم فطلبوا منهم أن يعودوا إلى ما كانوا يحسبونهم عليه . والظرفية في قوله : فِي مِلَّتِنا مجازية مستعملة في التمكن من التلبس بالشيء المتروك فكأنه عاد إليه . والملّة : الدين . وقد تقدم عند قوله تعالى : دِيناً قِيَماً مِلَّةَ إِبْراهِيمَ حَنِيفاً في آخر سورة الأنعام [ 161 ] ، وانظر قوله : فَاتَّبِعُوا مِلَّةَ إِبْراهِيمَ حَنِيفاً في أوائل سورة آل عمران [ 95 ] . وتفريع جملة فَأَوْحى إِلَيْهِمْ رَبُّهُمْ لَنُهْلِكَنَّ الظَّالِمِينَ على قول الذين كفروا لرسلهم لَنُخْرِجَنَّكُمْ مِنْ أَرْضِنا [ سورة إبراهيم : 13 ] إلخ تفريع على ما يقتضيه قول الذين كفروا من العزم على إخراج الرسل من الأرض ، أي أوحى اللّه إلى الرسل ما يثبت به قلوبهم ، وهو الوعد بإهلاك الظالمين . وجملة لَنُهْلِكَنَّ الظَّالِمِينَ بيان لجملة ( أوحى . . ) . وإسكان الأرض : التمكين منها وتخويلها إياهم ، كقوله : وَأَوْرَثَكُمْ أَرْضَهُمْ وَدِيارَهُمْ [ سورة الأحزاب : 27 ] .